أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

111

شرح مقامات الحريري

المقامة الرّابعة وهي الدّمياطيّة أخبر الحارث بن همّام قال : ظعنت إلى دمياط ، عام هياط ومياط ؛ وأنا يومئذ مرموق الرّخاء ، موموق الإخاء ، أسحب مطارف الثّراء ، وأجتلي معارف السّراء . فرافقت صحبا قد شقّوا عصا الشّقاق ، وارتضعوا أفاويق الوفاق ؛ حتّى لاحوا كأسنان المشط في الاستواء ، وكالنّفس الواحدة في التئام الأهواء . وكنّا مع ذلك نسير النّجاء ، ولا نرحل إلّا كلّ هوجاء ، وإذا نزلنا منزلا ، أو وردنا منهلا ، اختلسنا اللّبث ، ولم نطل المكث ، فعنّ لنا إعمال الرّكاب ، في ليلة فتيّة الشّباب ، غدافيّة الإهاب . فأسرينا إلى أن نضا اللّيل شبابه ، وسلت الصّبح خضابه . * * * قوله : « ظعنت » ، أي رحلت ، والظعن ضدّ الإقامة . دمياط : بلد بينه وبين مصر ثلاثون فرسخا ، وهي على ساحل البحر الملح ، وإلى دمياط ينتهي ماء النيل ، فيفترق منها فيخرج بعضه إلى بحيرة تنّيس ، وهي بحيرة تجري فيها السفن والمراكب العظام ، ويخرج بعضه إلى البحر ، وبها تعمل الشروب ، وقد ذكرنا ذلك عند تنيس . قوله : « هياط » : صياح ، وتهايط القوم : اجتمعوا ودبّروا أمرهم . مياط : دفاع ، أي كان عام هرج وخلاف . مرموق : منظور إليه ، الرخاء : سعة المال موموق : محبوب . أسحب : أجرّ . مطارف : ثياب لها أعلام في أطرافها أجتلى : أنظر . معارف : وجوه . السرّاء : الغنى والسرور . رافقت : صحبت في السفر . والصّحب : الأصحاب الشّقاق : الخلاف ، ومعنى شقّوا عصاه ، أزالوه وطرحوه ، والعرب تقول : شقّ فلان العصا ، إذا ترك الطاعة وخرج مباينا ، قال أبو عبيد : العصا تضرب مثلا للاجتماع ، وانشقاقها يضرب مثلا للافتراق الّذي لا اجتماع بعده . أفاويق : جمع أفواق ، وأفواق جمع فواق ، وهو ما بين الحلبتين والوفاق : ترك الخلاف ، وقد وافقته موافقة ووفاقا . قوله : « لاحوا » أي ظهروا . والعرب تضرب المثل بأسنان المشط ، وهو يقع على كلّ استواء في أيّ حال كان ، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « الناس كأسنان المشط ، وإنما يتفاضلون